حسن الأمين

164

مستدركات أعيان الشيعة

من يريد أن يروي غليلا من لذائذها . إن نظرة نلقيها على الكتب التي أرخت لابن هانئ ترينا أن الشاعر قد اضطهد فاضطر للهرب . ولكن لم اضطهد ؟ هذا ما نريد أن نعرفه . لو قرأنا ما قاله ابن الابار في هذا الصدد لرأيناه لا يعرض للسبب الذي من أجله اضطهد ، فهو يقول . . . ثم استوطن أبوه البيرة ، وخرج هو منها ( 1 ) اما لم خرج ومتى وكيف فلم يهم المؤرخ ، لذلك ضرب عنه صفحا . أما ابن خاقان فيرد سبب اضطهاده ، ونزوحه عن الأندلس ، إلى ما كان يقول به من غلو ، وذلك بجملة منمقة موشاة بالسجع والمحسنات البديعية ، فيقول : وأبدي من الغلو ، وتعدى الحق المجلو ، فمجته الأنفس ، وأزعجته عن الأندلس ( 2 ) أو ابن خلكان يرى أنه كان كثير الانهماك بالملاذ ، متهما بمذهب الفلاسفة ، ولما اشتهر ذلك عنه نقم عليه أهل أشبيلية ( 3 ) ولكن ياقوت الحموي يؤكد لنا أن ابن هانئ كان متهما بالفلسفة ، يسلك في أقواله وأشعاره مسلك المعري ، وما زال يغلو في ذلك حتى تعدى الحق ، وخرج في غلوه إلى ما لا وجه له في التأويل ، فأزعجه أهل الأندلس ( 4 ) ، وابن الخطيب لا يزيد على أن يصفه بأنه كان من فحول الشعراء ، وأمثال النظم ، وبرهان البلاغة ، لا يدرك شاوه ، ولا يشق غباره ، مع المشاركة في العلوم ، والنفوذ في فك المعمى ( 5 ) ، ولسنا نرى أن فحولة الشعر ، وبلاغة المنطق ، والمشاركة في العلوم ، تسبب الاضطهاد . أما ما قاله المقري في هذا الموضوع فما كان إلا ما قاله ابن خاقان في مطمح الأنفس نقله نقلا حرفيا ، لم يزد فيه ولم ينقص ( 6 ) هذا مجمل آراء الذين أرخوا له ، وهذا ما يجعلنا أكيدين من أن الشاعر لم يخرج مختارا من الأندلس ، بل فارقها كارها ، أزعجه أهلها عنها ، لأنه يقول بمقالة الفلاسفة ، وينهمك بملذاته ويغلو في أقواله إلى ما لا وجه له في التأويل ، والقول بان الانغماس بالملذات سبب أساسي في حملة أهل الأندلس عليه ، قول فيه كثير من المبالغة إذ أن في الأندلس لذلك العهد وما بعده ، أناسا انغمسوا حتى آخر حدود الانغماس في الملذات ، فهم يشربون الخمرة ويعاشرون النساء ، وربما انغمس بعضهم بحب الذكور ، وما رأينا الناس ، وإن كرهوهم ولاكت سمعتهم الألسن ، ازعجوهم عن ديارهم . بقي علينا أن نناقش إذن السببين الأخيرين وهما القول بالفلسفة أو مشايعة الفلاسفة على آرائهم ، والغلو الذي لم يعد يمكن تأويله ، فكيف نفهم هذا ؟ وأي السببين كان العامل المباشر في طرده من الأندلس ؟ أنا لا أعتقد أن ابن هانئ كان مشايعا للفلاسفة يقول بمقالتهم ويتبع آراءهم ، حتى ولست أرى أنه درس الفلسفة لا متعمقا ولا متصفحا ، وهذا الرأي نستند في دعمه إلى ديوان الرجل الذي لا نرى فيه خاطرة فلسفية ، ولا تفكيرا يدل على أن صاحبه عرف الفلسفة بمفاهيمها الشائعة في ذلك الزمن ، ولسنا نعتقد أن الإنسان يمكن أن ينسى ما كان قد اطلع عليه في سني دراسته من آراء مخالفة لمالوف الأكثرية ، ثم إنه لا بد أن يخرج عن لسانه أقوال فيها مظهر فلسفي إذا ما كان قد آمن بالفلسفة في شبابه ، وإذا لم يؤمن فلا بد من أن يلمح في بعض الأحيان إلى بعض هذه الآراء التي يمكن أن نعدها من قبيل الفلسفة ، أو من قبيل التفكير الحر على الأقل . وديوان الشاعر الذي بين أيدينا لو تصفحناه لما وجدنا فيه فكرة فلسفية . ثم إن ابن هاني لا يذكر في شعره أي علم من أعلام الفلسفة كما يفعل المتنبي مثلا . بينما نراه يتحدث عن الحوادث والأحداث التي مرت على الطالبيين إلى كل ما يتعلق بالتأريخ الإسلامي كما يذكر بعض شعراء العربية القدامى كعلقمة الفحل ، وامرئ القيس أو بعض فرسانها كعمرو بن معديكرب مثلا ، وكثيرا غير هؤلاء . من كل هذا نستنتج أن ابن هانئ لم يعرف الفلسفة كفن قائم بذاته ، دعامته التفكير الحر الطليق من كل قيد ، بل رأى أنه عرف التشيع بتعاليمه أما على أيدي رجال متخصصين ، أو أنه عرفه على أبيه وهذا ما نرجحه ، فقال به مجاهرا ولم يتستر كما كان يفعل أبوه ، فاغضب الأمويين ، وعمال الأمويين ، فكان من نتيجة هذا أن خرج إلى الأندلس ميمما وجهه شطر إفريقية حيث دعامة المبدأ الفاطمي قوية هناك ، وحيث تمارس العقيدة بحرية تامة . ولنستمع إليه يشير إلى ذلك بنفسه : دعاني لكم ود فلبت عزائمي وعنسي وليلي والنجوم الشوابك ومستكبر لم يشعر الذل نفسه أبي ، بابكار المهاول فاتك [ رلو ] ولو علقته من أمية أحبل لجب سنام من بني الشعر تامك ولما التقت أسيافها ورماحها شراعا وقد سدت علي المسالك أجزت عليها عابرا وتركتها كان المنايا تحت جنبي آرائك وما نقموا إلا قديم تشيعي فنجى هزبرا شده المتدارك والبيت الأخير إقرار أوضح ، بأنه كان شيعيا قبل خروجه ، وان هذا أثار نقمة الأمويين وعمالهم والأندلسيين المعتصمين فهرب الشاعر ناجيا بنفسه . وهكذا كان ابن هانئ شيعيا ، يجاهر بعقيدته فيكرهه اتباع الأمويين ، فيغرون به صاحب أشبيلية ، ويضطر هذا إلى أن يطلب من الشاعر أن يتوارى عن أنظار الناس في أشبيلية ، فيهاجر ابن هانئ وهو موقن أنه لو علقت به حبال بني أمية لجب سنام من بني الشعر تامك . خروجه من الأندلس - في عهد من وكم كان عمره رأينا ابن هانئ ينزح عن مسقط رأسه بناء على رغبة حاكم أشبيلية الذي أشار عليه بالغيبة عن البلد مدة ينسى فيها خبره ( 7 ) ، أو دراء للفتنة ( 8 ) ، بل وربما تعرض الحاكم نفسه إلى مقت العامة وغضبهم لصحبته ابن هانئ ( 9 ) ، فيعم وجهه شطر المغرب الإفريقي ، حيث حاضرة التشيع عامرة ، وحيث يدعى للعقيدة علانية . ويهمنا الآن أن نعرف ففي عهد أي حاكم من حكام أشبيلية خرج ابن هانئ من الأندلس . لقد رجعنا إلى كتب التاريخ القديمة والتراجم علنا نجد شيئا شافيا بما يتعلق بمعرفة الحاكم الذي صحبه ابن هانئ ، وغادر الأندلس في عهده ، فلم نوفق إلى ما يغني ، غير أن ابن الأبار يذكر أن عبد الرحمن بن بدر ولي

--> ( 1 ) ابن الغرضي - تاريخ علماء الأندلس ج 1 ، 326 ، 337 ، 120 . ( 2 ) ابن الغرضي - تاريخ علماء الأندلس ج 1 ، 326 ، 337 ، 120 . ( 3 ) ابن الغرضي - تاريخ علماء الأندلس ج 1 ، 326 ، 337 ، 120 . ( 4 ) ابن الأبار - التكملة ج 1 ، 103 . ( 5 ) ابن خاقان - مطمح الأنفس ص 74 . ( 6 ) ابن خلكان - وفيات الأعيان ج 3 ، 49 . ( 7 ) ياقوت الحموي - معجم الأدباء ج 19 ، 92 . ( 8 ) ابن الخطيب - الإحاطة في تاريخ غرناطة ج 2 ، 212 . ( 9 ) المقري - نفح الطيب ج 5 ، 183 .